يعد تلوث التربة بالديزل والوقود والمنتجات البترولية من أشكال التلوث التي قد تنتج عن حوادث ناقلات الوقود، وتسرب الخزانات والأنابيب، وعمليات التعبئة والتفريغ، أو التسربات داخل المنشآت الصناعية والتشغيلية. وتكمن أهمية التعامل المبكر مع هذه الحالات في أن التلوث قد لا يبقى محصورًا في البقعة الظاهرة على سطح الأرض، بل يمكن أن تنتقل المركبات الهيدروكربونية داخل مسامات التربة وتتوزع أفقيًا ورأسيًا بحسب خصائص المادة المتسربة والتربة والظروف الهيدروجيولوجية للموقع.
وتختلف حركة الوقود داخل التربة باختلاف خصائصها الفيزيائية. ففي التربة الرملية ذات النفاذية المرتفعة يمكن أن يحدث انتقال رأسي للسوائل بصورة أسرع مقارنة بالتربة الغنية بالطين، بينما قد تحتجز التربة الدقيقة جزءًا أكبر من المركبات الهيدروكربونية نتيجة انخفاض النفاذية وعمليات الامتزاز على حبيبات التربة. لذلك فإن معرفة نوع التربة وعمق المياه الجوفية واتجاه حركة المياه تعد من المعلومات المهمة عند تقييم المواقع التي تعرضت لتسربات بترولية.
كما تختلف المكونات البترولية في سلوكها البيئي. فالوقود عبارة عن خليط من مركبات هيدروكربونية متعددة تختلف في التطاير والذوبان وقابلية التحلل والارتباط بالتربة. ولهذا لا يعتمد تقييم التلوث على المظهر أو الرائحة فقط، وإنما على الفحوصات والتحاليل التي تساعد على تحديد نوع الملوث وتركيزه وانتشاره داخل الموقع.
ومن المؤشرات المستخدمة في تقييم المواقع المتأثرة بالمنتجات البترولية الهيدروكربونات البترولية الكلية (Total Petroleum Hydrocarbons – TPH)، وهو مصطلح يستخدم لوصف مجموعة واسعة من المركبات الهيدروكربونية الموجودة في المنتجات البترولية. وقد تشمل التحاليل كذلك مركبات BTEX، وهي البنزين والتولوين والإيثيل بنزين والزايلينات، وذلك عندما تكون هذه المركبات مرتبطة بنوع الوقود والحالة محل الدراسة. وتتميز بعض هذه المركبات بقدرتها الأعلى نسبيًا على الحركة أو التطاير مقارنة بالمكونات البترولية الأثقل، مما يجعل تحديد نوع المادة المتسربة عنصرًا أساسيًا في تصميم برنامج أخذ العينات والتحليل.
تبدأ معالجة التربة الملوثة بالديزل والوقود بالسيطرة على مصدر التسرب ومنع استمرار وصول الملوث إلى البيئة. بعد ذلك تتم دراسة الموقع وتحديد المناطق المحتمل تأثرها، ثم تصميم برنامج لأخذ العينات من مواقع وأعماق مناسبة وفق طبيعة الحادث وخصائص الموقع. وتساعد نتائج التحاليل في بناء تصور عن الامتداد الأفقي والرأسي للتلوث وتحديد المناطق التي تحتاج إلى معالجة فعلية.
وتكتسب مرحلة تحديد نطاق التلوث أهمية اقتصادية إلى جانب أهميتها البيئية، لأن إزالة التربة بصورة عشوائية قبل معرفة حدود المنطقة المتأثرة قد تؤدي إلى حفر ونقل كميات أكبر من المطلوب. وعلى الجانب الآخر، فإن الاكتفاء بإزالة التربة التي يظهر عليها التلوث بصريًا قد يترك ملوثات في طبقات أعمق. لذلك يعتمد القرار الصحيح على الجمع بين المعاينة الميدانية، وخصائص الموقع، وأخذ العينات، ونتائج التحاليل.
ولا توجد تقنية واحدة تصلح لجميع حالات معالجة التربة الملوثة بالمواد البترولية. فقد تستخدم أعمال الحفر والإزالة في بعض المواقع، بينما يمكن دراسة تقنيات المعالجة البيولوجية التي تعتمد على نشاط الكائنات الحية الدقيقة في تحلل بعض المركبات العضوية، أو تقنيات المعالجة الفيزيائية والكيميائية، أو المعالجة داخل الموقع (In-situ) وخارجه (Ex-situ). ويعتمد الاختيار بين هذه البدائل على نوع وتركيز الملوث، وحجم التربة المتأثرة، وعمق التلوث، وخصائص التربة، ووجود المياه الجوفية، والمدة المتاحة للمشروع، إضافة إلى الجدوى الفنية والاقتصادية لكل بديل.
ومن الجوانب المهمة أيضًا تقييم احتمالية انتقال الملوثات إلى المياه الجوفية، خصوصًا عندما يكون التسرب كبيرًا أو تكون التربة عالية النفاذية أو يكون منسوب المياه الجوفية قريبًا نسبيًا من سطح الأرض. وفي مثل هذه الحالات قد يتطلب التقييم دراسة أوسع للموقع لتحديد ما إذا كان الأثر مقتصرًا على التربة أو امتد إلى الوسط المائي تحت السطحي.
وعند وقوع حادث تسرب وقود، تكون الأولوية لإيقاف المصدر واحتواء المادة ومنع انتشارها إلى المناطق المحيطة أو شبكات تصريف المياه. ثم يتم تقييم الموقع وتحديد الحاجة إلى أخذ العينات والتحاليل ووضع إجراءات المعالجة وإعادة التأهيل المناسبة. كما يمثل توثيق حالة الموقع قبل التنفيذ وأثناءه وبعده جزءًا مهمًا من إدارة المواقع الملوثة وإثبات فعالية الإجراءات التصحيحية المتخذة.
ولا تنتهي عملية إعادة تأهيل الموقع الملوث بمجرد إزالة التربة المتأثرة، إذ قد تتطلب المرحلة النهائية تنفيذ عينات تحقق للتأكد من تحقيق أهداف المعالجة، ثم إعادة التربة المناسبة وتسوية الموقع ومعالجة أي آثار ناتجة عن أعمال الحفر والتنفيذ. ويكون الهدف النهائي الوصول إلى حالة بيئية مستقرة تتناسب مع طبيعة الموقع واستخدامه والمتطلبات البيئية ذات العلاقة.
تقدم شركة حلول إنماء البيئة المستدامة (INMACO) خدمات تقييم ومعالجة وإعادة تأهيل المواقع الملوثة والمتدهورة، بدءًا من معاينة الموقع وتحديد نطاق التلوث، مرورًا بأعمال المعالجة والإشراف البيئي، وحتى توثيق أعمال إعادة التأهيل. ويساعد التقييم المبكر للمواقع المتأثرة بالوقود والمواد البترولية على تحديد حجم المشكلة واختيار الحل الفني المناسب قبل توسع نطاق التلوث وارتفاع تكاليف المعالجة.
